الفقراء والخصخصة وتكاليف العلاج
بقلم:
سلوى العنتري
الشعب
المصرى مريض. لا نتحدث عن الانيميا وتقزم الأطفال بسبب نقص التغذية، فنحن
نعرف أننا فقراء وأن الفقراء يجوعون ويعانون أمراض سوء التغذية، بل نتحدث
عن الملايين الذين يعانون من أمراض الكبد والفشل الكلوى والأورام.
عميد معهد الكبد يقول إن عدد المرضى بفيروس سى يقترب من 10 ملايين مواطن. الأطباء يقولون إن معدل الإصابة بالفشل الكلوى فى مصر يبلغ ضعف المعدلات العالمية وأن 10% من المصابين بالفشل الكلوى من الأطفال. بعض المتخصصين يقولون لنا: إن السرطان أصبح يشكل ثانى سبب للوفاة فى مصر بعد أمراض القلب والأوعية الدموية. الأمر لا يمثل مفاجأة، فالسياسات الاقتصادية التى أدت إلى إفقار القاعدة العريضة من جماهير الشعب المصرى خلال حكم مبارك، أدخلت إلى البلاد المبيدات المسرطنة، وتسببت فى تلوث مياه الشرب بسبب المخلفات الصناعية والصرف الزراعى، لتتسع قائمة الأمراض الوبائية التى تفتك بالفلاحين والفقراء.
حق المصريين فى الصحة يعنى حقهم فى الحياة. هذا الحق أقرته البشرية كأحد الحقوق الأساسية للإنسان، ونص عليه العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى إطار الأمم المتحدة. الحق فى الصحة نص عليه الدستور الجديد الذى وقفنا بالملايين نصوت عليه بنعم. الدستور ينص على حق المواطن المصرى فى تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض، وينص على التزام الحكومة بألا يقل ماتخصصه للإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة للدولة عن 3% من إجمالى الناتج القومى. ومع ذلك فقد قررت الحكومة أن يكون هذا الحق مطروحا للتجارة والبيع والشراء، وأن يكون العلاج فقط لمن يملك المال.
عندما رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار والغاز والكهرباء قالت: إن المبالغ التى ستوفرها من فرق الدعم ستذهب إلى تحسين خدمات الصحة والتعليم. صبرنا على لهيب الأسعار وانتظرنا زيادة الإنفاق على الصحة وتحسين الخدمة. وعندما اقتصر الإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة على 7ر1% من الناتج المحلى الإجمالى، قلنا صحيح اننا أبعد ما يكون عن النسبة التى حددها الدستور ولكن المؤكد أن سنلمس بعض التحسن على أرض الواقع. إلا أن النتائج جاءت صادمة، فالحكومة التى التزمت بموجب الدستور بتوفير تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض قامت بإلغاء الدعم المخصص للتأمين الصحى الشامل والبالغ 1٫5 مليار جنيه، وخفضت دعم الأدوية وألبان الأطفال إلى أقل من النصف، وخفضت بند العلاج على نفقة الدولة بنحو 500 مليون جنيه!
وعلى الرغم من تلك الأرقام الصادمة، فإن الكارثة الحقيقية هى إصرار الحكومة على المضى قدما فى سياسة خصخصة الصحة، وهى السياسة التى عجز نظام مبارك عن تنفيذها على مدى السنوات الأخيرة لحكمه، فى ظل تصاعد الرفض والمقاومة الشرسة من جانب قوى الشعب والتى انتصر لها القضاء المصرى. الحكومة تطرح مشروع قانون جديد للتأمين الصحى ينص على أن يدفع المواطن ليس فقط مبلغ الاشتراك فى التأمين ولكن أيضا مساهمة فى تكاليف الأشعات والتحاليل والأدوية ورسوم الكشف يمكن أن تصل إلى 400 جنيه شهريا.
بالله عليكم، كيف تطلب من المواطن تحمل هذه المبالغ فى بلد يتحدد فيه خط الفقر بنحو 334 جنيها شهريا، وتصل نسبة المواطنين الذين يقعون تحت هذا الخط إلى أكثر من 26% من السكان. الحكومة تقول إنها ستوفر نظما محددة لعلاج الفقراء. المتخصصون يقولون إن البرامج التى تطرحها الدولة فى هذا الشأن لا تشمل الغسيل الكلوى وقسطرة وجراحة القلب ولا السرطان، بل ولا تغطى كل الأمراض أصلا بل تقتصر فقط على ما تدعوه عشرين مرضا شائعا.
قطار خصخصة الصحة انطلق بالفعل، وكانت المحطة الأولى فتح الباب أمام القطاع الخاص للنفاذ إلى المستشفيات الجامعية عبر آلية المشاركة، بدءا بثلاثة مستشفيات جامعية تتمثل فى مستشفى المواساة ومستشفى سموحة باٌلإسكندرية والمستشفى الجامعى التخصصى بالسويس. المعلومات المعلنة توضح أن الجامعات قد تعاقدت مع الشركات المنفذة على تولى أعمال التصميم وإلإنشاء والتجهيز والتأثيث والصيانة والتشغيل لتلك المستشفيات. والسؤال كيف ستحصل الشركات المنفذة على تكاليف التنفيذ والتجهيز وتحقق مستوى ربح مناسب من تشغيل مستشفيات هى بطبيعتها مستشفيات للغلابة؟ وإذا كانت الجامعة هى التى ستستمر فى تقديم الخدمة وتحديد التكلفة، فمن أين ستحصل الجامعة على الإيرادات اللازمة لسداد مستحقات الشركات المنفذة، هل بزيادة رسوم الخدمات الصحية أم بزيادة مصروفات الدراسة التى يدفعها الطلبة؟
القانون الذى ينظم المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص فى مشروعات الصحة هو القانون 67 لسنة 2010، والذى تم إصداره فى عهد مبارك ليكون الباب الخلفى لخصخصة المرافق والخدمات العامة. وفقا لذلك القانون لا يقتصر دور القطاع الخاص فى تنفيذ مشروعات تأهيل المستشفيات العامة والجامعية على التمويل والبناء والتجهيز وإنما يمكن أن يشمل أيضا التشغيل والصيانة والاستغلال، وحق الإدارة وتقديم الخدمة سواء للدولة أو مباشرة للجمهور. كما يتيح القانون إمكانية امتلاك القطاع الخاص لمنشآت المستشفى وأصولها أثناء مدة العقد، علما بأن مدة التعاقد يمكن أن تصل إلى 30 سنة من تاريخ اكتمال المشروع قابلة للزيادة بقرار من مجلس الوزراء، وقابلة للتجديد لثلاثين عاما تالية. القانون يتيح ذلك كله للقطاع الخاص، سواء كان محليا أو أجنبيا. الحكومة مصرة على البقاء فى عباءة مبارك، ونحن مصرون على التمسك بحقنا فى الحياة.
عميد معهد الكبد يقول إن عدد المرضى بفيروس سى يقترب من 10 ملايين مواطن. الأطباء يقولون إن معدل الإصابة بالفشل الكلوى فى مصر يبلغ ضعف المعدلات العالمية وأن 10% من المصابين بالفشل الكلوى من الأطفال. بعض المتخصصين يقولون لنا: إن السرطان أصبح يشكل ثانى سبب للوفاة فى مصر بعد أمراض القلب والأوعية الدموية. الأمر لا يمثل مفاجأة، فالسياسات الاقتصادية التى أدت إلى إفقار القاعدة العريضة من جماهير الشعب المصرى خلال حكم مبارك، أدخلت إلى البلاد المبيدات المسرطنة، وتسببت فى تلوث مياه الشرب بسبب المخلفات الصناعية والصرف الزراعى، لتتسع قائمة الأمراض الوبائية التى تفتك بالفلاحين والفقراء.
حق المصريين فى الصحة يعنى حقهم فى الحياة. هذا الحق أقرته البشرية كأحد الحقوق الأساسية للإنسان، ونص عليه العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى إطار الأمم المتحدة. الحق فى الصحة نص عليه الدستور الجديد الذى وقفنا بالملايين نصوت عليه بنعم. الدستور ينص على حق المواطن المصرى فى تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض، وينص على التزام الحكومة بألا يقل ماتخصصه للإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة للدولة عن 3% من إجمالى الناتج القومى. ومع ذلك فقد قررت الحكومة أن يكون هذا الحق مطروحا للتجارة والبيع والشراء، وأن يكون العلاج فقط لمن يملك المال.
عندما رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار والغاز والكهرباء قالت: إن المبالغ التى ستوفرها من فرق الدعم ستذهب إلى تحسين خدمات الصحة والتعليم. صبرنا على لهيب الأسعار وانتظرنا زيادة الإنفاق على الصحة وتحسين الخدمة. وعندما اقتصر الإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة على 7ر1% من الناتج المحلى الإجمالى، قلنا صحيح اننا أبعد ما يكون عن النسبة التى حددها الدستور ولكن المؤكد أن سنلمس بعض التحسن على أرض الواقع. إلا أن النتائج جاءت صادمة، فالحكومة التى التزمت بموجب الدستور بتوفير تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض قامت بإلغاء الدعم المخصص للتأمين الصحى الشامل والبالغ 1٫5 مليار جنيه، وخفضت دعم الأدوية وألبان الأطفال إلى أقل من النصف، وخفضت بند العلاج على نفقة الدولة بنحو 500 مليون جنيه!
وعلى الرغم من تلك الأرقام الصادمة، فإن الكارثة الحقيقية هى إصرار الحكومة على المضى قدما فى سياسة خصخصة الصحة، وهى السياسة التى عجز نظام مبارك عن تنفيذها على مدى السنوات الأخيرة لحكمه، فى ظل تصاعد الرفض والمقاومة الشرسة من جانب قوى الشعب والتى انتصر لها القضاء المصرى. الحكومة تطرح مشروع قانون جديد للتأمين الصحى ينص على أن يدفع المواطن ليس فقط مبلغ الاشتراك فى التأمين ولكن أيضا مساهمة فى تكاليف الأشعات والتحاليل والأدوية ورسوم الكشف يمكن أن تصل إلى 400 جنيه شهريا.
بالله عليكم، كيف تطلب من المواطن تحمل هذه المبالغ فى بلد يتحدد فيه خط الفقر بنحو 334 جنيها شهريا، وتصل نسبة المواطنين الذين يقعون تحت هذا الخط إلى أكثر من 26% من السكان. الحكومة تقول إنها ستوفر نظما محددة لعلاج الفقراء. المتخصصون يقولون إن البرامج التى تطرحها الدولة فى هذا الشأن لا تشمل الغسيل الكلوى وقسطرة وجراحة القلب ولا السرطان، بل ولا تغطى كل الأمراض أصلا بل تقتصر فقط على ما تدعوه عشرين مرضا شائعا.
قطار خصخصة الصحة انطلق بالفعل، وكانت المحطة الأولى فتح الباب أمام القطاع الخاص للنفاذ إلى المستشفيات الجامعية عبر آلية المشاركة، بدءا بثلاثة مستشفيات جامعية تتمثل فى مستشفى المواساة ومستشفى سموحة باٌلإسكندرية والمستشفى الجامعى التخصصى بالسويس. المعلومات المعلنة توضح أن الجامعات قد تعاقدت مع الشركات المنفذة على تولى أعمال التصميم وإلإنشاء والتجهيز والتأثيث والصيانة والتشغيل لتلك المستشفيات. والسؤال كيف ستحصل الشركات المنفذة على تكاليف التنفيذ والتجهيز وتحقق مستوى ربح مناسب من تشغيل مستشفيات هى بطبيعتها مستشفيات للغلابة؟ وإذا كانت الجامعة هى التى ستستمر فى تقديم الخدمة وتحديد التكلفة، فمن أين ستحصل الجامعة على الإيرادات اللازمة لسداد مستحقات الشركات المنفذة، هل بزيادة رسوم الخدمات الصحية أم بزيادة مصروفات الدراسة التى يدفعها الطلبة؟
القانون الذى ينظم المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص فى مشروعات الصحة هو القانون 67 لسنة 2010، والذى تم إصداره فى عهد مبارك ليكون الباب الخلفى لخصخصة المرافق والخدمات العامة. وفقا لذلك القانون لا يقتصر دور القطاع الخاص فى تنفيذ مشروعات تأهيل المستشفيات العامة والجامعية على التمويل والبناء والتجهيز وإنما يمكن أن يشمل أيضا التشغيل والصيانة والاستغلال، وحق الإدارة وتقديم الخدمة سواء للدولة أو مباشرة للجمهور. كما يتيح القانون إمكانية امتلاك القطاع الخاص لمنشآت المستشفى وأصولها أثناء مدة العقد، علما بأن مدة التعاقد يمكن أن تصل إلى 30 سنة من تاريخ اكتمال المشروع قابلة للزيادة بقرار من مجلس الوزراء، وقابلة للتجديد لثلاثين عاما تالية. القانون يتيح ذلك كله للقطاع الخاص، سواء كان محليا أو أجنبيا. الحكومة مصرة على البقاء فى عباءة مبارك، ونحن مصرون على التمسك بحقنا فى الحياة.
المصدر: الاهرام





































