الثلاثاء، 3 مارس 2015

الفقراء والخصخصة وتكاليف العلاج

الفقراء والخصخصة وتكاليف العلاج



بقلم:   سلوى العنتري
 

الشعب المصرى مريض. لا نتحدث عن الانيميا وتقزم الأطفال بسبب نقص التغذية، فنحن نعرف أننا فقراء وأن الفقراء يجوعون ويعانون أمراض سوء التغذية، بل نتحدث عن الملايين الذين يعانون من أمراض الكبد والفشل الكلوى والأورام.


عميد معهد الكبد يقول إن عدد المرضى بفيروس سى يقترب من 10 ملايين مواطن. الأطباء يقولون إن معدل الإصابة بالفشل الكلوى فى مصر يبلغ ضعف المعدلات العالمية وأن 10% من المصابين بالفشل الكلوى من الأطفال. بعض المتخصصين يقولون لنا: إن السرطان أصبح يشكل ثانى سبب للوفاة فى مصر بعد أمراض القلب والأوعية الدموية. الأمر لا يمثل مفاجأة، فالسياسات الاقتصادية التى أدت إلى إفقار القاعدة العريضة من جماهير الشعب المصرى خلال حكم مبارك، أدخلت إلى البلاد المبيدات المسرطنة، وتسببت فى تلوث مياه الشرب بسبب المخلفات الصناعية والصرف الزراعى، لتتسع قائمة الأمراض الوبائية التى تفتك بالفلاحين والفقراء.


حق المصريين فى الصحة يعنى حقهم فى الحياة. هذا الحق أقرته البشرية كأحد الحقوق الأساسية للإنسان، ونص عليه العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى إطار الأمم المتحدة. الحق فى الصحة نص عليه الدستور الجديد الذى وقفنا بالملايين نصوت عليه بنعم. الدستور ينص على حق المواطن المصرى فى تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض، وينص على التزام الحكومة بألا يقل ماتخصصه للإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة للدولة عن 3% من إجمالى الناتج القومى. ومع ذلك فقد قررت الحكومة أن يكون هذا الحق مطروحا للتجارة والبيع والشراء، وأن يكون العلاج فقط لمن يملك المال.


عندما رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار والغاز والكهرباء قالت: إن المبالغ التى ستوفرها من فرق الدعم ستذهب إلى تحسين خدمات الصحة والتعليم. صبرنا على لهيب الأسعار وانتظرنا زيادة الإنفاق على الصحة وتحسين الخدمة. وعندما اقتصر الإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة على 7ر1% من الناتج المحلى الإجمالى، قلنا صحيح اننا أبعد ما يكون عن النسبة التى حددها الدستور ولكن المؤكد أن سنلمس بعض التحسن على أرض الواقع. إلا أن النتائج جاءت صادمة، فالحكومة التى التزمت بموجب الدستور بتوفير تأمين صحى شامل يغطى جميع المصريين ضد جميع الأمراض قامت بإلغاء الدعم المخصص للتأمين الصحى الشامل والبالغ 1٫5 مليار جنيه، وخفضت دعم الأدوية وألبان الأطفال إلى أقل من النصف، وخفضت بند العلاج على نفقة الدولة بنحو 500 مليون جنيه!


وعلى الرغم من تلك الأرقام الصادمة، فإن الكارثة الحقيقية هى إصرار الحكومة على المضى قدما فى سياسة خصخصة الصحة، وهى السياسة التى عجز نظام مبارك عن تنفيذها على مدى السنوات الأخيرة لحكمه، فى ظل تصاعد الرفض والمقاومة الشرسة من جانب قوى الشعب والتى انتصر لها القضاء المصرى. الحكومة تطرح مشروع قانون جديد للتأمين الصحى ينص على أن يدفع المواطن ليس فقط مبلغ الاشتراك فى التأمين ولكن أيضا مساهمة فى تكاليف الأشعات والتحاليل والأدوية ورسوم الكشف يمكن أن تصل إلى 400 جنيه شهريا.


بالله عليكم، كيف تطلب من المواطن تحمل هذه المبالغ فى بلد يتحدد فيه خط الفقر بنحو 334 جنيها شهريا، وتصل نسبة المواطنين الذين يقعون تحت هذا الخط إلى أكثر من 26% من السكان. الحكومة تقول إنها ستوفر نظما محددة لعلاج الفقراء. المتخصصون يقولون إن البرامج التى تطرحها الدولة فى هذا الشأن لا تشمل الغسيل الكلوى وقسطرة وجراحة القلب ولا السرطان، بل ولا تغطى كل الأمراض أصلا بل تقتصر فقط على ما تدعوه عشرين مرضا شائعا.


قطار خصخصة الصحة انطلق بالفعل، وكانت المحطة الأولى فتح الباب أمام القطاع الخاص للنفاذ إلى المستشفيات الجامعية عبر آلية المشاركة، بدءا بثلاثة مستشفيات جامعية تتمثل فى مستشفى المواساة ومستشفى سموحة باٌلإسكندرية والمستشفى الجامعى التخصصى بالسويس. المعلومات المعلنة توضح أن الجامعات قد تعاقدت مع الشركات المنفذة على تولى أعمال التصميم وإلإنشاء والتجهيز والتأثيث والصيانة والتشغيل لتلك المستشفيات. والسؤال كيف ستحصل الشركات المنفذة على تكاليف التنفيذ والتجهيز وتحقق مستوى ربح مناسب من تشغيل مستشفيات هى بطبيعتها مستشفيات للغلابة؟ وإذا كانت الجامعة هى التى ستستمر فى تقديم الخدمة وتحديد التكلفة، فمن أين ستحصل الجامعة على الإيرادات اللازمة لسداد مستحقات الشركات المنفذة، هل بزيادة رسوم الخدمات الصحية أم بزيادة مصروفات الدراسة التى يدفعها الطلبة؟


القانون الذى ينظم المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص فى مشروعات الصحة هو القانون 67 لسنة 2010، والذى تم إصداره فى عهد مبارك ليكون الباب الخلفى لخصخصة المرافق والخدمات العامة. وفقا لذلك القانون لا يقتصر دور القطاع الخاص فى تنفيذ مشروعات تأهيل المستشفيات العامة والجامعية على التمويل والبناء والتجهيز وإنما يمكن أن يشمل أيضا التشغيل والصيانة والاستغلال، وحق الإدارة وتقديم الخدمة سواء للدولة أو مباشرة للجمهور. كما يتيح القانون إمكانية امتلاك القطاع الخاص لمنشآت المستشفى وأصولها أثناء مدة العقد، علما بأن مدة التعاقد يمكن أن تصل إلى 30 سنة من تاريخ اكتمال المشروع قابلة للزيادة بقرار من مجلس الوزراء، وقابلة للتجديد لثلاثين عاما تالية. القانون يتيح ذلك كله للقطاع الخاص، سواء كان محليا أو أجنبيا. الحكومة مصرة على البقاء فى عباءة مبارك، ونحن مصرون على التمسك بحقنا فى الحياة.
المصدر: الاهرام

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

الأحد، 18 مايو 2014

«وادى النصب» أول نقطة تتنفس الحرية فى الجنوب

«وادى النصب» أول نقطة تتنفس الحرية فى الجنوب

ارتفع فوقها العلم المصرى عام 1979.. ومن يومها تأتيهم المياه مرة كل أسبوعين.. ولا يجدون مدرسة.. ومحرومون من العمل فى شركة المنجنيز

قاعدة حجرية مستديرة، وعمود حديدى يأكله الصدأ، وبئر جافة، وعدة مبانٍ تابعة لشركة «سيناء للمنجنيز»، ومبنى صغير كان يستخدم كمدرسة ابتدائية، وبضع عنزات سارحة فوق الرمال، ومجموعة من عشش وخيام يتخذ منها البدو سكناً، هى كل ما تبقى من أول نقطة فى جنوب سيناء تحتضن العَلم المصرى بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلى الذى تواصل لأكثر من 12 سنة. النقطة التى تقع فى وادى النصب فى جنوب سيناء محرومة وسكانها من وجود مياه نظيفة للشرب بعد أن جفت مياه بئرها القديمة، ومحرومة كذلك من وجود مدرسة لأبناء البدو الذين يسكنون مع أهاليهم فى المنطقة، فى حين أن الأهالى أنفسهم محرومون من فرصة عمل بشركة «سيناء للمنجنيز» التى تقبع مبانيها داخل المنطقة.

وعلى الرغم من أن وادى النصب يتبع إدارياً مدينة أبوزنيمة بجنوب سيناء، فإن الوادى ينفصل تماماً عن المدينة التى يبعد عنها قرابة 50 كيلومتراً، يتطلب الوصول إليه السير عبر مدقات صخرية وعرة تمتد وسط الجبال، يقطعها معبد سرابيط الخادم الذى شيده الملك سنوسرت الأول من ملوك الأسرة الثانية عشرة قبل آلاف السنين مع بداية تنقيب قدماء المصريين عن الذهب والفيروز فى سيناء، ثم وادى بعبع، فقرية دبى التى لا تشبه دبى المدينة سوى فى الاسم فقط، وفى النهاية يظهر وادى النصب بمبانيه القليلة و«صارى العلم» الخالى من أى «عَلم».

«أنا من مواليد سنة 1960، فى وادى النصب، حضرت الاحتلال الإسرائيلى، وحضرت كمان رفع العلم هنا»، يتحدث فتحى سليمان ابن قبيلة الحماضة التى يسكن أفراد منها الوادى، يتذكر سليمان لحظة رفع العلم على الصارى الذى أقيم خصيصاً من أجل تلك اللحظة «ظباط إسرائيليين، قابلوا ظباط مصريين وسلموهم الأرض، وبعد رفع العلم اتعمل احتفال بالمناسبة دى، وبعدها كل واحد راح لحال سبيله، قبلها كان الإسرائيليين قاعدين هنا وماسكين المنطقة»، ثم «فى شهر يوليو سنة 1979 كنا فى رمضان سلموا الأرض للظباط المصريين، ومشيوا من هنا فى نفس اليوم».

سنوات طويلة مرت على تلك اللحظة غير أنها لم تفلح فى محو الحدث من ذهن سليمان، وإن كانت تدفع كرم أحمد سليمان «64 سنة»، أحد سكان الوادى، للتحسر على ما آل إليه حال المنطقة، خاصة بعد أن جفت مياه البئر الوحيدة التى كان سكان المنطقة يتزودون منها بالماء بسبب قلة الأمطار، وأصبح الحصول على المياه بوادى النصب صعباً للغاية، يتم فقط كل 15 يوماً من خلال سيارة ترسلها مديرية الرى بجنوب سيناء، يحصل السكان على حصة ضئيلة منها، ويترقبون وصول حمولة المياه الجديدة. الأمر الذى دفع عدداً كبيراً من السكان للهجرة من المنطقة، يقول كرم إن عدد سكان وادى النصب كان نحو 4 آلاف نسمة، وبعد جفاف البئر، وتعذر الحصول على مياه تركوا المكان باحثين عن المياه فى أماكن أخرى، خاصة أن الطعام أيضاً كان يصل إليهم من مدينة السويس، إذ لا يوجد طعام فى وسط سيناء.

الأمر نفسه تكرر مع عمال شركة «سيناء للمنجنيز» الذين كان عددهم يقترب من 3 آلاف عامل، سكنوا الوادى منذ عام 1952 تاريخ إنشاء مبانى الشركة، حتى يكونوا قريبين من مصدر المنجنيز الذى يستخرجونه من المنطقة، وبعد هزيمة 67 هجر العمال مبانى الشركة، وتركوها خاوية على عروشها، أما المدرسة التى حملت اسم «مدرسة بير النصب» فكانت إلى وقت قريب عامرة بالطلبة من أبناء الوادى، قبل أن يتم إنشاء مدرسة أخرى فى «سرابيط الخادم» يأتى إليها المدرسون من محافظات الدلتا كالشرقية والغربية، ومع قلة السكان تم إغلاق مدرسة «بير النصب»، والاكتفاء بتلك الموجودة فى «سرابيط الخادم».

ومع عدم توفر فرص عمل فى شركات البترول بـ«أبوزنيمة» لسكان الوادى، فإن معظمهم يعملون فى استخراج المنجنيز والفيروز، كما يقول الشيخ عيد سليمان الروبيقى، شيخ قبيلة الحماضة، وقام عدد منهم ببناء مسجد فى الوادى بجهودهم الذاتية لكى يتم ضمه لـ«الأوقاف»، واختيار إمام ومقيم شعائر له من أبناء الوادى، غير أن هذا لم يحدث، ولم يتم ضم المسجد لـ«الأوقاف»، يتخذ الشيخ عيد من عدم توفير فرص عمل لسكان الوادى مثلاً على صعوبة الحياة فى المنطقة التى شهدت رفع أول علم مصرى بجنوب سيناء، ويقول بابتسامة تحتل جزءاً كبيراً من وجهه «الحكومة بتوفر كل شىء هنا بالاسم بس، الكهرباء موجودة بالاسم لكن بتقطع طول اليوم، والميه موجودة بالاسم بس بتوصل كل 15 يوم، وشركات البترول موجودة بالاسم بس ما حدش من البدو بيشتغل فيها»، أما «صارى العلم» الذى يشهد على تحرير جنوب سيناء «موجود برضه بس من غير علم». 
المصدر: الوطن

سيناء المجنى عليها

سيناء المجنى عليها

إن السامع بهذا الاسم يظن أنه يتكلم عن محافظة أو مدينة أو قرية عصرية، سيناء بدون هوية، وأهلها حائرون ومشردون بين البحث عن شربة ماء ولقمة عيش، بأى طريقة وبأى وسيلة كانت، وذلك لأن الدولة تعلم بالحقيقة المرة، وترفض الحلول الجذرية، لا بد أن يستجدى السيناوية مطالبهم الأساسية، ولا بد للدولة أن تمنحها لهم بالقطعة!

مات الكثير من الشهداء، واستنزفت موارد الدولة، بسبب الحروب التى قامت، ولم يتم النظر إلى هذا الإنسان القابض على هذا الحجر، والقابع على هذه الأرض، ولا أعتقد أن ذلك سيطول، فقد هاجر الكثير من أبنائها على بعض المحافظات، ولم تتحدث المنظمات الحقوقية عن تلك الهجرة، فالتعليم عشوائى فاسد، والمستشفيات فخمة المبانى خاوية من الأطباء والأجهزة.

الملايين تنهب باسم سيناء بعد أن جمعت باسم سيناء، الكل يسحب من المخزون والخيرات، ويبقى المواطن السيناوى يبحث عن مصيره بين جبال وأودية وجَمل يركبه وجهاز تنمية يتوهم أنه منقذه مما فيه، وهذا أحد الأوهام والأحلام.

إننى مواطن مصرى سيناوى لدىّ اعتقاد راسخ وأكيد بأن الحديث عن مشاكلى وحلولها هو لدىّ أنا وليس عند الآخر، لماذا أكون الفأر الذى تقام عليه التجارب؟ ولا أكون المحلول الذى أحدد به المرض السرطانى الذى يدمر الخلايا الجسدية الصالحة للحياة، يا سادة ويا شعب مصر الأبى، لا توجد نية خالصة، ولا يوجد تخطيط، وإن جهاز تنمية سيناء الوطنى لا يملك استراتيجية وخططاً ولا موارد، ولكن يملك كلمة اسمها سيناء كمرحلة لتسيير المركب إلى أن يشاء الله، لا أريد أن أكون قاسياً، ولكن سأبقى رافعاً رأسى ومتفائلاً، لقد ذهب الفاسدون وعصابتهم، وسيذهب المتاجرون والمنافقون كما ذهب أسلافهم.

لقد مر 39 عاماً على تحقيق نصر أكتوبر الذى حرر سيناء ولم ننتصر لأبنائها المهمشين حتى اليوم، ألا يوجد بيننا من يصلح لـ«التأسيسية» أو للاستشارة أو عاقل تأخذ الدولة برأيه؟

إن العيش الكريم والحياة الآدمية هى مكسب طبيعى لنا ولن نتركه وسنأخذه بأى وسيلة كانت، ولن نعود إلى الوراء قيد أنملة، وسنتمسك بهذا التراب الطاهر، ولن نفرط فى حبة منه مهما جرى، فقد مات الكثير منا قهراً وجوعاً وفقراً وتشرد الباقى، ونأمل ألا تضيع سيناء من الدولة بسبب جهلها أو تجاهلها أو عدم إرادتها أو عدم مصداقيتها فى تنميتها؛ لأننا لن نسمح بذلك إذا وقفت الشوكة فى الحلقوم. 
المصدر: الوطن

صناعة الفشل باسم «المشروع القومى» و«الجهاز الوطنى»

صناعة الفشل باسم «المشروع القومى» و«الجهاز الوطنى»

أول محاولة للتنمية فى عهد «مبارك» عام 1986 بدأت بوعد باستصلاح ربع مليون فدان بشمال سيناء.. وتعدلت الخطة 3 مرات ولم تُنفذ حتى اليوم

لم تحظَ سيناء، عبر تاريخها، بالاهتمام المناسب لإمكانيات التنمية المتاحة وفق مقدراتها وثرواتها أو أهميتها بالنسبة لمصر على كل المستويات، خاصة الاقتصادية والأمنية، بل تحولت «تنمية سيناء» إلى عبارة «سيئة السمعة» تُستخدم لتهدئة الرأى العام وترضية أهل سيناء بإحالتهم إلى مستقبل ينتظرون فيه تحسين أوضاعهم، وهو ما لم يحدث أبداً، وبات مع الوقت أبعد ما يكون عن التحقيق على أرض الواقع.

وإذا كانت حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلى سبباً ومبرراً لعدم بدء أى مشروعات تنموية فى الستينات بسيناء، فإن استمرار ذلك حتى عام 1979 كان أمراً بلا سبب، سوى استمرار حالة اللامبالاة التى حركها الرئيس الراحل أنور السادات، حين قرر توصيل مياه النيل إلى صحراء سيناء، التى توقفت منذ جفاف الفرع البيلوزى للنهر، وهو ما واجه اعتراضات واسعة من الحركة الوطنية المصرية، خشية نقل مياه النيل إلى إسرائيل، خاصة بعد اتفاقية السلام وإنشاء السادات قرية ميت أبوالكوم الجديدة، والاهتمام الذى أولاه للفكرة، والذى توقف بمقتل الرجل ومعه كل محاولات تنمية سيناء، إلى أن أُعلن بعد ذلك بـ4 سنوات، عام 1986، عن السعى إلى استصلاح ربع مليون فدان بشمال سيناء، ولم يُترجم المشروع إلى واقع طوال 3 سنوات استغرقتها دراسة مشروع عرف بـ«تنمية شمال سيناء زراعياً»، وكان يهدف إلى استصلاح نفس المساحة تقريباً، ثم جرى تعديله ورفع المساحة المستهدف استصلاحها إلى 400 ألف فدان، بعد إضافة 135 ألفاً فى منطقة السر والقوارير فى وسط سيناء.

وقبل أن يبدأ المشروع صارت تبعيته والإشراف عليه لما يسمى «الهيئة العامة لتنمية سيناء»، وفى أكتوبر عام 1994 أُعلن عن خطة متكاملة لتنمية سيناء، جرى تعديلها بعد عام واحد، لتضم إقليم القناة، للاستفادة من الإمكانات المتاحة فى محافظاته الثلاث «بورسعيد والإسماعيلية والسويس»، وتحقيق ربط حقيقى لسيناء بالعمق المصرى. ووفق خيالات المخطط للمشروع، فإن المبالغ التى قدرت للاستثمارات المقترحة قرابة 110 مليارات جنيه، منها 65 ملياراً فى شمال سيناء والباقى فى جنوبها، على أن تنتهى فى عام 2017، وهو ما لم يحدث، ومن المتوقع ألا يحدث قريبا، إذ كان من المفترض البدء فى ذلك عام 2006، على أن يشمل المشروع القومى لتنمية سيناء 3 قطاعات رئيسية؛ تبدأ بزراعة 400 ألف فدان، وإنشاء 7 مناطق صناعية، وشركة متخصصة فى مجال التعدين والبترول، بخلاف استثمارات خُصصت لقطاع الخدمات وتجهيز البنية الأساسية، التى تستخدم للمشروعات الضخمة، المُقترح تنفيذها ضمن المشروع فى المحافظات الـ5 التى يشملها، بهدف توطين مليونين و700 ألف مواطن مع اكتمال تنفيذه.

المشروع الذى لم يعد باقياً على الانتهاء من تنفيذه، وفقا للخطة المعلنة، سوى 5 سنوات، لكن فعلياً لم ينفذ منه شىء يُذكر حتى الآن، وبقى سكان سيناء شمالها وجنوبها دون تعداد، الـ«500 ألف مواطن»، ورصدت جهات رقابية توقف تنفيذ المشروعات الرئيسية فى المجالات المختلفة بنسبة 75% فى مجال الزراعة و65% فى مجال التعدين، وتراجعاً ملحوظاً وبشكل أكبر فى قطاع الخدمات والمياه التى اقتربت من نسبة 90%.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة عن إنفاق قرابة 75 مليار جنيه لتحقيق المحاور الرئيسية للمشروع، فإن الواقع يكشف أن نسبة تنفيذ المشروع لا تتجاوز 20%.

ومن بين كل الوعود التى تطلقها الحكومات المتعاقبة لأهالى سيناء، فإن قرابة 60 ألف مواطن فقط انتقلوا للعيش بسيناء، قبل أن تتحول إلى منطقة طاردة، بفعل تدهور الأوضاع الأمنية قبل وبعد الثورة، وتوقفت المشروعات الرئيسية بالمشروع الواحد تلو الآخر، وعلى رأسها «ترعة السلام» ومشروع القطار الذى توقف عند «بئر العبد» بسبب سرقة القضبان الحديدية، كما آلت مشروعات صناعية أخرى إلى النسيان، مثل مشروع «استخراج الكبريت» بالشيخ زويد، وإسالة الغاز والصودا وملح الطعام، المدرجة ضمن المشروعات الصناعية المقترحة ولم ينفذ منها شىء.
وبقى وسط سيناء فراغاً استراتيجياً مرعباً، حيث إن به 30 قرية تفتقر إلى أبسط الخدمات، رغم أنها تمثل 75% من مساحة سيناء وإمكانيات الزراعة بها تتجاوز الـ90 ألف فدان.
الحكومة على لسان محافظى سيناء المتعاقبين، تعتبر أن دورها انتهى عند تنفيذ 30% من المشروع، متمثلاً فى الطرق والكهرباء والبنية الأساسية، وتلقى باللائمة على القطاع الخاص الذى لم ينفذ الـ70% الباقية من خطة تنمية سيناء، دون أن توفر له الحكومة الحوافز اللازمة، وعلى رأسها تملك الأراضى وليس حق الانتفاع.

لن يتضح حجم الأزمة فى سيناء إلا إذا استعرضنا حجم الاستثمارات، التى كان من المفترض أن تُنفذ فى 17 قطاعاً تنموياً، وهو ما يتيح القياس والتحقق من مدى مصداقية المعلن مقارنة بما هو على أرض الواقع، فالتنمية العمرانية خُصص لها فى المشروع القومى لتنمية سيناء 20 مليار جنيه، أما الرى والزراعة فكان من المفترض أن يكون نصيبهما 12٫2 مليار جنيه، والصناعة والتعدين لم يتجاوز الرقم المفترض استثماره فيهما 10 مليارات جنيه، وعلى أهمية السياحة شمالاً وجنوباً، فقد رصدت الخطة 8٫2 مليار جنيه لهذا القطاع، ولأن الطاقة عماد التنمية فقد خصص لها 6 مليارات جنيه، والنقل والمواصلات خصص لهما 6٫2 مليار جنيه، وجاء نصيب الخدمات التموينية والتجارية 830 مليون جنيه، والثقافة والإعلام 260 مليون جنيه، وحصة التدريب والقوى العاملة 40 مليون جنيه، والرعاية الاجتماعية 50 مليون جنيه، والشباب والرياضة 600 مليون جنيه، وقطاع العدالة 20 مليون جنيه، ومياه الشرب والصرف الصحى 6٫6 مليار جنيه، أما التعليم فكان نصيبه 1٫065 مليار جنيه.

وتكمن عقدة سيناء فى المياه التى تعتبر المحرك الرئيسى لعملية التنمية، التى لم توجه لها العناية الكافية مقارنة بما جرى رصده وإنفاقه من أموال، ولا تتجاوز كمية المياه المتاحة فى سيناء 240 مليون متر مكعب، منها قرابة 80 مليون متر مكعب من المياه الجوفية السطحية، و10 ملايين متر مكعب من المياه العميقة والمتوسطة، و70 مليون متر مكعب يتركز معظمها بوسط سيناء.
وتنفيذاً لدراسات جامعة قناة السويس وخطة المشروع القومى، اعتبرت ترعة السلام العمود الفقرى للمشروع بهدف زراعة 625 مليون فدان، تنقل إليها قرابة 4٫5 مليار متر مكعب من المياه لاستزراع 77 ألف فدان فى المناطق الواقعة شرق السويس، يضاف إليها مشروعات أعالى النيل الرامية لزراعة 250 ألف فدان لم ينفذ منها شىء يذكر.

وشمل المشروع استغلال 50 ألف فدان اعتماداً على مياه السيول فى مناطق وادى الخرافى ووادى العريش، يضاف إليها 7 آلاف فدان اعتماداً على مياه الآبار، وعلى نفس المصادر بالمخزون الجوفى بوادى فيران وسهل القاع ووادى غرندل، لتضيف 65 ألف فدان للرقعة الزراعية بالمشروع.

وتتضح أهمية إلقاء الضوء على «ترعة السلام» المشروع الأهم والأخطر الذى كان من المفترض أن يصل إلى مراحله الأخيرة، مع اقترابنا من نهاية المشروع وتنفيذ الجزء الأهم منه، رغم عدم تنفيذنا لباقى مراحله التى كانت من المفترض أن تغير وجه الحياة فى سيناء.

وترعة السلام تعود بفوائدها، على عكس الشائع والمعروف، ليس على سيناء فقط ولكن على محافظات الدقهلية ودمياط والشرقية والإسماعيلية، وجزء من زمام أراضى غرب القناة يضاف إليها سهل الطينة الواقع ضمن النطاق الإدارى لمحافظة بورسعيد، بواقع 50 ألف فدان، وجنوب القنطرة 70 ألف فدان، وبئر العبد70 ألف فدان أخرى، والمنطقة محل الخلاف بالسر والقوارير فى وسط سيناء، بواقع 135 ألف فدان.

وأعلنت الحكومة مع نهاية 2008 استصلاح 118 ألف فدان تقريباً غرب القناة مع انتهاء أعمال المرحلة الأولى التى تكلفت ما يقرب من 406 ملايين جنيه، وتواكب معها إعلان تنفيذ الجزء الأكبر من المرحلة الثانية بنسبة 90% فى منطقة شرق قناة السويس بالقناة الرئيسية بطول 86 كيلومتراً تقريباً، وترعة جنوب القنطرة شرق القناة والبالغ طولها 35 كيلومتراً، وكذلك المحطات الخاصة بالرى والصرف ومآخذ الرى فى منطقة سهل الطينة لتسمح باستزراع كامل الأراضى المستهدفة، 50 ألف فدان، بخلاف 12 ألف فدان جنوب القنطرة، بمنطقتى رابعة وبئر العبد.

وكان نصيب أبناء سيناء 6 آلاف و750 فدانا حتى نهاية 2008، لم تزد قيراطاً واحداً، مع توقف المشروع تقريباً، عبر المأخذ الثانى، وحملات إزالة التعديات التى أجرتها حكومات ما قبل الثورة، فيما عرف بـ«إعادة التصحر»، واقتلاع المشروعات والناس من أراضيهم وأملاكهم.

ولم يتوقف الجدل حول وجهة الترعة إلى السير بمحاذاة الساحل الشمالى، وتجاهل منطقة السر والقوارير، التى أوصت دراسة جامعة قناة السويس باستهدافها، وتلك التوصية أغفلت تماماً، وصار الحديث عن إملاءات خارجية غيرت توجهات التنمية.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، حيث أشار كثير من الخبراء إلى أن المشروع يعتبر أحد أوجه إهدار الأموال، دون مردود موازٍ بتحقيق تنمية حقيقية خاصة، مع ارتفاع تكلفة استصلاح الأراضى، وتأثيرات نقل مياه الصرف الزراعى وخطورتها على المياه الجوفية وملوحة الأراضى، بخلاف ارتفاع ملوحة الأراضى المستهدف زراعتها بالساحل الشمالى.

ولم يستبعد الخبراء مشاكل النزاع حول الملكية وتوجه الدولة إلى خلق كيانات زراعية كبرى بالأساس، بما يقلل فرصة صغار الملاك، ولا يعود على المجتمع بالفوائد المفترضة لمشروع قومى حقيقى، كان مفترضاً أن يحقق تنمية بشرية حقيقية.

وتبقى قضية توصيل المشروع إلى منطقة السر والقوارير، 30 ألف فدان، محل جدل كبير، كونها أُضيفت إلى المشروع الأصلى، رغم وجودها قريبة من الحوض الرئيسى للمياه الجوفية على مساحة تقترب من 20 ألف كيلومتر مربع، وإمكانية الاستفادة من مياه السيول وارتفاع أراضى المنطقة، بنسبة تزيد على 70% من مساحتها، إلى أكثر من 100 متر، فوق منسوب البحر، يستوجب معها إنشاء محطات رفع تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لرفع المياه تفوق ما هو مطلوب، للمراحل الأربع الأخرى من المشروع، التى تبلغ مساحة المستهدف استزراعه 268 ألف فدان تحتاج إلى 1٫5 مليون ميجاوات ساعة سنوياً.

المشروع بكامله متوقف تماماً، مثله مثل باقى برامج التنمية التى أعلن عنها، حيث توقف السعى لإعادة الغطاء النباتى لتنشيط الرعى لمساحة 300 ألف فدان، ولم تتمكن من تحقيق المستهدف فى مجال صيد الأسماك بصيد 37 ألف طن، وتدهور إنتاج بحيرة البردويل، وتراجع نشاط الصيد بخليجى العقبة والسويس.

وتوقف النشاط الصناعى عند مصنعين للأسمنت فى وسط سيناء؛ أحدهما قطاع خاص، والآخر تابع للقوات المسلحة، وأغلق مشروع فحم المغارة، رغم توافر 52 مليون طن به، كما توقف مشروع الكبريت بالشيخ زويد، ولم تنفذ من المناطق الصناعية التسع فى العريش أو القنطرة وبئر العبد أى أعمال واضحة، وبقيت المساحات المخصصة خالية ورهن الفشل فى إدارتها.
ولا يمكن الحديث عن الإخفاق الكامل للمشروع دون الإشارة إلى محاولات الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق، الذى حاول إحياء أمله فى المشروع القومى بإنشاء جهاز متخصص سمى «الجهاز الوطنى لتنمية سيناء»، ترأس اجتماعه الأول قبل رحيله عن حكومة الإنقاذ الوطنى.

وجاء قرار رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل الذى يحمل رقم 915 لسنة 2012 بإصدار النظام الأساسى للجهاز الوطنى لتنمية شبه جزيرة سيناء فى 18 مادة، لينسف فى مادته الأولى كل أمل فى أن يكون للجهاز دور حقيقى، حين نص على أن قراراته لا تصدر إلا بعد موافقة وزارتى الدفاع والداخلية وجهاز المخابرات.

ووفقاً للقرار فقد انحسر دور الجهاز فى اقتراح المشروعات التنموية والاستثمارية فى إطار السياسات العامة والخطط الاستراتيجية الوطنية، حيث رهن القرار التصرف فى الأراضى بالتنسيق مع «المركز الوطنى للتخطيط» باستخدامات أراضى الدولة، على أن يجرى التصرف فى الأراضى المملوكة للدولة وفقا لتسعيرة يحددها الجهاز، بخلاف إصدار التراخيص مع الالتزام بقواعد حق الانتفاع وفقاً للقانون رقم 14 فى مادته رقم 11 بضرورة الالتزام بقواعد الأمن القومى.

واستمر القرار فى وضع قيود على الجهاز وقراراته ومتابعاته ورهنها بالعرض على رئيس مجلس الوزراء، ولم يترك للجهاز حرية اتخاذ أى قرارات إلا فيما يخص اللوائح التنظيمية والداخلية للجهاز وشئون العاملين ولائحة الجزاءات والهيكل التنظيمى للجهاز، ولا جدوى فى استمرار سياسات وجهات إدارية أوكل لها أخطر ملفات مصر فى تاريخها المعاصر والتحدى الحضارى الكبير الذى ثبت أنه لم يتحقق فيه شىء يذكر، تحت تأثير غياب الإرادة السياسية والتخبط، بفعل الجهل واللجوء إلى الحلول التى لا تتجاوز مساحة الأوراق التى تكتب عليها القرارات الحكومية، دون أن تدرك أننا بهذا أدخلنا سيناء دائرة الضياع وباتت استعادتها أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً.
المصدر: الوطن 

سيناء‏..‏ العمود الفقري للمشروع القومي

سيناء‏..‏ العمود الفقري للمشروع القومي

أخبار سيناء -بقلم: عاطف الغمري – لآن في مصر أشياء لا تحتمل التأجيل والانتظار‏,‏ فلدينا حكومة تجاوزت مرحلة تسيير الأعمال‏,‏ وصارت حكومة انقاذ وطني‏..‏ اي حكومة عمل‏,‏ ينتظر منها أن تقيم الأساس الذي تبني عليه دولة مدنية حديثة‏,‏ كهدف أولي لثورة‏25‏ يناير‏,‏ والانطلاق نحو التقدم والنهضة‏.‏

 

وحتي لا تجد الحكومة القادمة التي ستأتي نتيجة انتخابات ديمقراطية, وكأنها تبدأ من أول الطريق, فنحن ومنذ25 يناير نعيش فترة مشحونة بتصاعد الآمال, ممزوجة بمشاعر القلق وعدم اليقين, ووجود طاقة عالية من التوقعات المتلهفة علي ان تري من الآن بوادر ومؤشرات علي أن المستقبل قد بدأ يصنع في مصر.
ومن أجل ضبط حركة التفاعل بين تلك المشاعر المتوافقة أحيانا, والمتضاربة احيانا, نحتاج أن نبدأ ودون تأخير في إرساء هذا الأساس.
واذا كان الهدف المتفق عليه بشأن وضع دستور جديد دائم, قد حفز قوي وطنية للتفكير في البدء في ترتيب جلسات عمل لعلماء وخبراء مختصين ومفكرين, لوضع تصورات لهذا الدستور, حتي تكون مسوداته جاهزة أمام اللجنة,التي ستشكل وفق مانصت عليه التعديلات الدستورية التي جري الاستفتاء عليها, بعد الانتخابات القادمة لمجلس الشعب, فإن هدف إقامة الدولة الحديثة وحلم التقدم والنهضة, يقتضي البدء من الآن في الإعداد لمؤتمر لأهل الاختصاص لوضع أسس المشروع القومي الذي يحقق هذا الهدف. وهو ما يتأتي عن طريق تنظيم مجموعات عمل متخصصة يكلف كل منها بجانب من جوانب هذا العمل الوطني.
والمشروع القومي هو ـ صحوة وطنية تلبي احتياجات وطنية في ظرف زمني معين, وتمليه درجات إلحاح الأولويات الوطنية, للوصول الي أهداف تنهض بالأمة.
وهذا المشروع لابد ان ينطلق من فكر استراتيجي شامل, وليس من أفكار مشتتة موزعة علي مشاريع اقتصادية وتنموية, كل منها يمضي في طريق, بلا عمود فقري, يربطها جميعا معا.
وأمامنا تجارب الدول التي عرفت بالدول الصاعدة اقتصاديا في آسيا, وأمريكا اللاتينية وإفريقيا, والتي انطلق صعودها من فكر استراتيجي محدد الملامح, يشتمل بشكل عام علي خمسة عناصر رئيسية هي:1 ـ تحديد الدولة لهويتها داخل حدودها, وكذلك في نطاق ارتباطاتها الاقليمية.
2ـ الهدف الذي تريد بلوغه.
3ـ حصر ما لديها من موارد مادية وبشرية, ماهو مستغل وماهو معطل.
4ـ ضمان تحرك كافة قطاعات الدولة في تناسق وتكامل في اتجاه الهدف.
5ـ استيعاب ذلك في اطار خطة لها جدول زمني, وآليات تنفيذ معروفة, مع متابعة ومحاسبة في إطار دولة القانون.
لقد تعرضت مصر في ظل النظام السابق, لسلوك منظم من العداء لفكرة الإنتاج, وحل المشاكل الاجتماعية مثل البطالة, والتعليم, والصحة, وانعدام السياسات لحلها, وفقدان النظام الحاكم اي رؤية استراتيجية للحكم الرشيد, بحيث كان يقوم بتسيير أمور الدولة, بلا سياسات تصنع التقدم, وينكر أهلية الشعب في أن يكون شريكا في القرار, حتي إننا كنا نسمع منهم مقولات مهينة للشعب وكرامته الوطنية, مزيفة للحقيقة, منها قولهم ان شعب مصر ليست لديه ثقافة الديمقراطية, مع أن النظام كان يفرض علي المجتمع فرضا ثقافته المحرضة علي الهبوط والتدني, ومنها القول المتكرر بأن مصر دولة فقيرة في الموارد.
بينما الشعب يعرف ويري حتي وان عدموا هم البصيرة ـ ولا كانت شديدة الفقربلا أي موارد تصلح لأن تصنع أو تزرع, وصارت في خلال سنوات قليلة دولا متقدمة وصاعدة, لأنها امتلكت الفكر الاستراتيجي الذي شيدت عليه مشروعها القومي.
ويمكن الاستشهاد بنموذجين يصلح كل منهما ليشكل قاعدة صلبة ضمن قواعد المشروع القومي المنشود.
أحدهما يتعلق بالمشروع القومي لتنمية سيناء, وهو الأهم والأساس الذي يمكن ان يمثل العمود الفقري للمشروع القومي وهو ما أتيحت لي الفرصة في عامي2008, و2009 للمشاركة في مؤتمرات خصصت له, بعضها عقده في القاهرة مركز الدراسات المستقبلي الذي يديره الدكتور محمد ابراهيم منصور, وشارك في جلسته الأولي ثلاثون من العلماء والخبراء ممن كان لهم اتصال عملي مباشر بالمشروع الذي بدأ رسميا عام1994, ثم أقدمت الدولة ـ بفعل فاعل ـ علي إلغائه بعد سنتين من بدء تنفيذ مراحله الأولي وبعضها سافرت الي سيناء للمشاركة في جلسات مؤتمر بشأنه استمر ثلاثة أيام.
هذا المشروع الذي تعرض لطعنة في الظهر, كان يهدف الي توطين أربعة ملايين مصري في سيناء البالغ مساحتها61 ألف كيلو متر مربع, والتي يسكنها360 الف شخص فقط, وإقامة مجتمعات عمرانية متكاملة, ومشاريع تستغل موارد سيناء زراعية وصناعية وتعدينية وتنمية الثروة الحيوانية والسمكية, والأنشطة التجارية, والسياحية. أضف الي هذا هدفا حيويا لأمن مصر القومي, بعدم ترك سيناء فراغا عمرانيا وبشريا, ليكون ذلك حائط صد أمام أي اطماع خارجية.
النموذج الثاني: وهو ما نعرفه عن وجود كثير من البحوث والدراسات التي اعدها علماء متخصصون في اقتصاديات تعمير وتنمية الصحراء, وبعضها موجود في معهد الصحراء بالقاهرة, وهو ما يقضي بتوجيه الاهتمام الغائب نحو الصحراء التي تمثل96% من المساحة الكلية لمصر, وحيث يسكن المصريون فوق4% فقط من مساحة مصر.
وبخلاف هذين النموذجين, فإن المشروع القومي حين يوضع وفق منظومة تحمل استراتيجية, فلابد ان يشمل كل ما تحويه مصر من مناطق غير مستغلة أو موارد معطلة اقتصاديا, وسبق العلماء وخبراء ان شغلتهم هذه القضية, وقضوا سنوات في وضع دراسات وخطط, لم يلق لها أحد بالا لأنها ضد منطق تفكير واهتمامات وشواغل النظام السابق, وهناك الكثير من مشروعات الفرص الضائعة, التي أهدرت إما بقرارات بالقضاء عليها في مهدها لأنها ظلت تتردد كأفكار نظرية لإلهاء المهتمين بها, وكان منها مشروع المدينة التكنولوجية الصناعية المتقدمة شمال غرب خليج السويس, باتفاق مع الصين, والذي قضي عليه بإرادة اصحاب المصالح المتضخمة, في الحزب الوطني المنحل ـ وأفكار التنمية الاقتصادية والعمرانية للظهير الصحراوي للساحل الشمالي وعدم الاهتمام الواجب بالدراسات عن استغلال زراعات بيئة غير تقليدية في مناطق نائية, وإغماض عين القانون عن الغزو التتاري علي بحيرات مصر الغنية بالمأكولات البحرية, وردم مئات الألوف من الأفدنة فيها, تحت سمع ونظر الدولة, ولتظل مصر دولة مستوردة لـ70% من احتياجاتها من الموادالغذائية.
ويبقي ان التفاف الشعب حول مشروع قومي, هو الآن مطلب له أولوية قصوي, وحتي يظهر في الأفق ضوء كاشف يضبط حالة التفاعل في المجتمع بين مشاعر القلق وعدم اليقين, والتوقعات الفياضة بالأمل والتفاؤل, ويظل مشروع تنمية سيناء هو العمود الفقري للمشروع القومي لنهضة مصر ومستقبلها.